نخبة من الأكاديميين

910

موسوعة تاريخ العلاقات بين العالم الإسلامي والغرب

يصلون إلى قطيعة مع الناس ومع " العوام " حسب مصطلحهم ، لكنهم يرتبطون بطبقة الكتاب والوزراء والسلطة السياسية . ولذلك ومع تقلص أو اختفاء الدعم السياسي ، اضطر المعتزلة أن يتكيفوا مع الأوضاع المستجدة اجتماعياً ، واضطروا أن ينسحبوا من مواقعهم التقليدية ، ويذهبوا إلى مناطق بعيدة وهامشية في المدنيّة والحضارة الإسلامية مثل اليمن وأمثالها . وهذا الأمر يدفعنا إلى القول أنه مهما تكلمنا عن علم الكلام ، فإنه ينبغي أولًا التوجه نحو علم الكلام الأشعري أو الماتريدي ؛ لما كان لهما من سيطرة علمية منذ القرن الخامس الهجري في أغلب الأحيان . لذا لا بد أن نعتبرهما ممثلين لعلم الكلام الإسلامي عند أهل السنة والجماعة ؛ وهو علم يتضمن الحجاج عن العقائد الإيمانية بالأدلة العقلية ( والأدلة العقلية هنا تعني الاستدلالات الجدلية عندهم ليس إلّا ) والرد على " المبتدعة المنحرفين في الاعتقادات " عن مذاهب السلف وأهل السنة ، حسب زعمهم . ومن المعلوم أن أبا حامد الغزالي كان ينتقد المتكلمين وعلم الكلام ، ويعتقد أن فائدة علم الكلام تنحصر في إقناع الخصم والدفاع عن العقيدة ليس إلا ، وأن الطريقة الكلامية والجدل الكلامي لا يفيد في الحصول على اليقين ؛ إذ يقول حول ذلك في رسالة المنقذ من الضلال « 1 » : " . . . وإنما المقصود منه حفظ عقيدة أهل السنة وحراستها عن تشويش أهل البدعة . فقد ألقى الله ( تعالى ) إلى عباده على لسان رسوله ( ص ) عقيدة هي الحق ، على ما فيه صلاح دينهم ودنياهم ، كما نطق بمعرفته القرآن والأخبار ، ثم ألقى الشيطان في وساوس المبتدعة أموراً مخالفة للسنة ، فلهجوا بها وكادوا يشوشون عقيدة الحق على أهلها . فأنشأ الله تعالى طاقة المتكلمين ، وحرك دواعيهم لنصرة السنة بكلام مرتب ، يكشف عن تلبيسات أهل البدع المحدثة ، على خلاف السنة المأثورة ؛ فمنه نشأ علم الكلام وأهله . ولقد قامت طائفة منهم بما ندبهم الله ( تعالى ) إليه ، فأحسنوا الذب عن السنة ، والنضال عن العقيدة المتلقاة بالقبول من النبوة ، والتغيير في وجه ما أحدث من البدعة ؛ ولكنهم اعتمدوا في ذلك على مقدمات تسلموها من خصومهم ، واضطرهم إلى تسليمها : إما التقليد ، أو إجماع الأمة ، أو مجرد القبول من القرآن والأخبار . وكان أكثر خوضهم في استخراج مناقضات الخصوم ، ومؤاخذتهم بلوازم مسلماتهم . وهذا قليل النفع في حق من لا يسلم سوى الضروريات شيئاً ، فلم يكن الكلام في حقي كافياً ، ولا لدائي الذي كنت أشكوه شافياً . لما نشأت صنعة الكلام وكثر الخوض فيه وطالت المدة ، تشوق المتكلمون إلى محاولة الذبّ بالبحث عن حقائق الأمور ، وخاضوا في البحث عن الجواهر والأعراض وأحكامها . ولكن لما لم يكن ذلك مقصود علمهم ، لم يبلغ كلامهم فيه الغاية القصوى ، فلم يحصل منه ما يمحق بالكلية ظلمات الحيرة في اختلافات الخلق ؛ ولا أبعدُ أن يكون قد حصل ذلك لغيري ! بل لست أشك في حصول ذلك لطائفة ولكن حصولًا مشوباً بالتقليد في بعض الأمور التي ليست من الأوليات . . . "

--> ( 1 ) أنظر : الغزالي ، المنقذ من الضلال ، تحقيق جميل صليبا وكامل عياد ، بيروت ، دار الأندلس ، ط 7 ، ص 71 - 73 .